أبي حيان الأندلسي

322

تفسير البحر المحيط

* وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد * قال معناه الزمخشري غير إنشاد الشعر . هدى : تقدم الكلام على الهدى في قوله : * ( هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ) * ، ونكره لأن المقصود هو المطلق ، ولم يسبق عهد فيه فيعرّف . والهدى المذكور هنا : الكتب المنزلة ، أو الرسل ، أوالبيان ، أو القدرة على الطاعة ، أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، أقوال . فمن تبع : الفاء مع ما دخلت عليه جواب لقوله : * ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ) * . وقال السجاوندي : الجواب محذوف تقديره فاتبعوه ، انتهى . فكأنه على رأيه حذف لدلالة قوله بعده : * ( فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ) * . وتظافرت نصوص المفسرين والمعربين على أن : من ، في قوله : فمن تبع ، شرطية ، وأن جواب هذا الشرط هو قوله : * ( فَلاَ خَوْفٌ ) * ، فتكون الآية فيها شرطان . وحكى عن الكسائي أن قوله : * ( فَلاَ خَوْفٌ ) * جواب للشرطين جميعاً ، وقد أتقنا مسألة اجتماع الشرطين في ( كتاب التكميل ) ، ولا يتعين عندي أن تكون من شرطية ، بل يجوز أن تكون موصولة ، بل يترجح ذلك لقوله في قسيمه : * ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ ) * ، فأتى به موصولاً ، ويكون قوله : * ( فَلاَ خَوْفٌ ) * جملة في موضع الخبر . وأما دخول الفاء في الجملة الواقعة خبراً ، فإن الشروط المسوّغة لذلك موجودة هنا . وفي قوله : * ( فَمَن تَبِعَ هُدَايَ ) * ، تنزيل الهدى منزلة الإمام المتبع المقتدى به ، فتكون حركات التابع وسكناته موافقة لمتبوعه ، وهو الهدى ، فحينئذ يذهب عنه الخوف والحزن . وفي إضافة الهدى إليه من تعظيم الهدى ما لا يكون فيه لو كان معزّفاً بالألف واللام ، وإن كان سبيل مثل هذا أن يعود بالألف واللام نحو قوله : * ( إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) * ، والإضافة تؤدي معنى الألف واللام من التعريف ، ويزيد على ذلك بمزية التعظيم والتشريف . وقرأ الأعرج : هداي بسكون الياء ، وفيه الجمع بين ساكنين ، كقراءة من قرأ : ومحياي ، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف . وقرأ عاصم الجحدري وعبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن أبي عمر : هديّ ، بقلب الألف ياء وإدغمها في ياء المتكلم ، إذ لم يمكن كسر ما قبل الياء ، لأنه حرف لا يقبل الحركة ، وهي لغة هذيل ، يقلبون ألف المقصور ياء ويدغمونها في ياء المتكلم ، وقال شاعرهم : * سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ولكل قوم مصرع * * ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) * : قرأ الجمهور بالرفع والتنوين ، وقرأ الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب بالفتح في جميع القرآن ، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين وجه قراءة الجمهور مراعاة الرفع في * ( وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * ، فرفعوا للتعادل . قال ابن عطية : والرفع على إعمالها إعمال ليس ، ولا يتعين ما قاله ، بل الأولى أن يكون مرفوعاً بالابتداء لوجهين : أحدهما : أن إعمال لا عمل ليس قليل جداً ، ويمكن النزاع في صحته ، وإن صح فيمكن النزاع في اقتياسه . والثاني : حصول التعادل بينهما ، إذ تكون لا قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدأ ولم تعمل فيهما . ووجه قراءة الزهري ومن وافقه أن ذلك نص في العموم ، فينفي كل فرد من مدلول الخوف ، وأما الرفع فيجوزه وليس نصاً ، فراعوا ما دل على العموم بالنص دون ما يدل عليه بالظاهر . وأما قراءة ابن محيصن فخرجها ابن عطية على أنه من إعمال لا عمل ليس ، وأنه حذف التنوين تخفيفاً لكثرة الاستعمال . وقد ذكرنا ما في إعمال لا عمل ليس ، فالأولى أن يكون مبتدأ ، كما ذكرناه